ابن بسام

312

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ولك يا سيدي في انتدابك لما ندبتك له ، ما للسّاعي المنجح من الشّكر ، وللمجتهد البالغ من العذر ، وملاك الأمر تقديم المراجعة بالإيجاب فأسكن إليها ، والجواب فأعتمد عليه ، وأهدي إليك نديّ الغضّ الناضر من سلامي ، والأرج العاطر من تحيّتي . وكتب إثر ذلك إلى المعتضد رقعة يقول فيها : أطال اللّه بقاء الحاجب فخر الدولة مولاي وسيدي ، ومولى المناقب الجليلة ، والضرائب النفيسة ، في أكمل ما تكفّل [ 1 ] له به من علو القدر ، ونفاذ الأمر ، وخصّه من النعم بأسبغها سربالا ، وأبردها ظلالا ، وأحمدها مآلا . كنت - أعزّ اللّه الحاجب مولاي - قد كتبت إلى الوزير أبي عامر عبده بما أيقنت أنه انتهى إليه ، واشتمل عليه ، فكتب الوزير إلى بعض أسبابه بما يقوم مقام المراجعة لي بما يرتفع عن [ 2 ] قدري ، ولا تتسع له ساحة شكري ، لعلمي أنّه عن الحاجب - أيّده اللّه - صدر ، وبإذنه نفذ ، والذي عداني عن أن يكون الكتاب في ذلك إلى الحاجب - أبقاه اللّه - التأدب بآداب حصفاء العبيد في الإجلال والإعظام ، وترك التبسط والإقدام . وقلّما استغنت أوائل مطالب الأتباع بحضرة الملوك من وسائط تمهد لها ، وتعتمد / أوقات الإمكان بها ، لا أني اتخذت إلى الحاجب - أدام اللّه علوّه - ( غير سيادته ذريعة ، أو التمست إليه إلّا من نفاسة نفسه شفاعة ، وأي معدل لمثلي عن تفيؤ ظلاله ، والاعتماد بحبله ، وصناعة الأدب كاسدة إلا عليه ، وطريق الأمل موحشة إلّا إليه ؛ ولم يدعني ) [ 3 ] إلى استطلاع ما قبله شكّ في كرمه ، ولا سوء ظن بسماحة شيمه ، بل لزوم الطريقة في التّوطئة للمطلب ، والتدرّج إلى إحراز الأرب . وحسبي أنّ أملي قد ارتاد الجناب الرّحب ، والمشرب العذب ، ولعلّ الحظوظ ستكشف ، والنوائب ستصرف ، إلى أن أبلغ إلى أبعد غايات الأمل من مشاهدة حضرته العلياء ، والنّظر إلى غرّته الزّهراء ، فو اللّه ما ينصرف فكري ، ولا ينصرم حين من عمري ، إلا في الذكر له والشوق إليه ، وتصوّر المثول بين يديه ، وأنا أقدم الاعتذار من مهابة تستملك جناني ، وحصر يكاد يقطع في أوّل المشافهة لساني ، فإن حدث ذلك فعذري عذر الفضل بن سهل ، وقد انقطع بين يدي الرشيد فقال له : يا أمير المؤمنين ، من فراهة العبد أن تملك قلبه مهابة سيّده .

--> [ 1 ] س : تكمل . [ 2 ] س : مما . . . من . [ 3 ] زيادة عن نسخة دار الكتب ، ولم يرد في س .